الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

141

نفحات القرآن

الأرض الميّتة بواسطة المطر فيضيف تعالى قائلًا : « ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْىِ الْمَوْتَى وأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شىءٍ قَدِيرٌ » . فهو يسلّط الأضواء على البعد التوحيدي لهذه الظواهر المهمّة للوجود حيناً ، ويُسَلِّطُ الأضواء على بُعد المعاد حيناً آخر . وفي هذه الآية توجد إشارات دقيقة ولطيفة تساعدنا على التوصّل إلى هذه الغايات وهي : 1 - مع أنّ منكري المعاد يقطعون بنفي المعاد إلّاأنّ القرآن يخاطبهم بالقول : « إن كنتم في ريبٍ . . . » وهنا يدل على أنّه لا يوجد هناك أيّ دليل على إنكار هذه الحقيقة ، وأكثر ما هنالك هو أنّكم من الممكن أن ترتابوا في أمر المعاد ، ومن الواضح أنّ المرتاب ما عليه إلّاالفحص والتحقيق لا الانكار ! . والجدير بالذكر هنا أنّ « ريب » جاءت بصورة النكرة ، وفي هذه الموارد تأتي لبيان حقارة الأمر ، أيْ إنَّ شكّكم في هذا المجال هو شكٌّ سقيم ولايُعتدُّ به أيضاً ، لأنّ أدلةَ المعادِ نشاهدها جليّة التردّد . 2 - قد يكون شروع الآية بالحديث عن خلق الإنسان من التراب إشارة إلى خلق آدم عليه السلام أو جميع الناس منه ، لأنّ أصل المواد التي تشكل القسم المهم من جسم الإنسان من التراب ، وعلى أيّة حال فإنّ خلق الإنسان من تراب دليل واضح على إمكان إحياء الموتى . 3 - الحديث في هذه الآية كان أولًا عن خلق الإنسان من التراب ، وبعد ذلك تحدثت الآية عن مسألة « البلوغ الجسمي والروحي » ثم عن « الكهولة والمشيب » فيصبح عدد تلك المراحل المختلفة سبع مراحل ، وإنْ كان هدفنا هو المراحل الخمس الأولى التي تمثل كل واحدة منها حياة جديدة وولادة جديدة ومنظر من المعاد . 4 - وجملة « لنبيّن لكم » يمكن حملها على محملين ، فمن الممكن أن يكون المراد من البيان هو بيان علم وقدرة الخالق ومسألة التوحيد ، كما أنّه من الممكن أن يكون المراد هو بيان مسألة المعاد أي الحياة بعد الموت .